
بداية يجب أن ننتبه لأمر مهم وهو أنه فى الدول العربية والافريقية غالبا تحسب الإنجازات للنظام القائم برئيسه وحكومته بينما فى العالم المتحضر الإنجازات هي للوطن والمواطن وهي نتاج لعمل الدولة ككيان لا كأفراد ولذلك تعتبر طبيعية ولا يتم التباهى بها ولا تنسب لشخص ولا لنظام
عندنا هنا فى موريتانيا الانظمة المتعاقبة من 1978 إلى اليوم تربط اي إنجاز من بناء مستشفى إلى ردم حفرة على الطريق بالرئيس وحكومته
دعونا نتذكر تقلب الانظمة والحكومات وأن بعض الانظمة والحكومات تجد مشاريع جاهزة فتتبناها وتعتبرها إنجازا بينما قد يتطلب مسارها دراسة وبحثا عن التمويل عقودا من الزمن
ولذلك فالإنجازات عندنا نسبية ويتم استغلالها إعلاميا وسياسيا وإن لم تكن لها قيمة تنموية تخدم الوطن والمواطن
اليوم نكمل سبع سنوات من حكم الرئيس غزوانى
وإذا فحصناها بعين ليست عين الرضى التى تغض عن العيب ولا بعين السخط التى لاترى سوى المساوئ يمكننا ونحن نحاول أن نكتب بموضوعية وحياد قدر الإمكان القول بأن هذه السنوات لم تكن كلها شرا كما لم تكن كلها خيرا فقد شهدت تحسنا فى بعض المجالات ذات الصلة بحياة الناس كما شهدت بعض التعثر هنا أو هناك
سياسيا يمكن الفول دون مبالغة إن غزوانى نجح فى خلق مشهد سياسي مستقر محليا وكانت استمالته لأطراف وازنة فى المعارضة التقليدية التى توصف بالراديكالية بداية استفرار سياسي غابت فيه الفوارق بين الموالاة والمعارضة التقليدية وولدت معارضة جديدة تعتمد النضال الافتراضي يقودها شباب يفتقر إلى التجربة السياسية والنضج التعبوي
وفعلا حافظ أشخاص يوصفون بالمعارضين ظاهريا على الأقل على خطابات وخرجات متشنجة وشديدة التطرف أحيانا لكنها ضرورية للنظام لأنه يراها عملية " إحماء" لا غنى عنها لإعطاء انطباع بوجود شكل من أشكال الديمقراطية يصيخ لمخنلف الخطابات والأفكار دون مشكلة
نجح غزوانى فى امتصاص المعارضة التقليدية و" تأليف" القلوب التى كانت تسيطر عليها فليس لدينا اليوم معارضة بالمفهوم الحقيقي للكلمة
وعلى المستوى الاجتماعي فإن استفادة مئات آلاف الأسر من التامين الصحي والتحويلات المالية والسلال الغذائية يظل من أبرز الملامح المضيئة فى سنوات الرئيس الذى يحسب له ايضا الاهتمام بأصحاب الأمراض المزمنة وذوى الاحتياجات الخاصة ودعمه لهم ماديا ومعنويا
عبر إعانات مباشرة وتامينات صحية اجتماعية كانوا فى أمس الحاجة إليها
ورغم ارتباك وضعف تجربة" تآزر " فإنها أسست لآلية صلبة لدعم الفقراء وإن احتاجت تطويرا ومراجعة حتى لا تفهم على أنها خاصة ب" هؤلاء" و" أولئك" ليسوا معنيين بها
ورغم ضعف قطاعى التعليم والصحة فإن للرئيس غزوانى بصمات على القطاعين عبر تجهيز وترميم المنشآت وزيادة رواتب وعلاوات عمال القطاعين خاصة قطاع التعليم
ولقد حظي القطاعان باهتمام تمكن ملاحظته فى استحداث عشرات المؤسسات التعليمية والصحية مع ترميم وتاهيل العديد من المؤسسات القديمة
ويحتاج القطاعان مزيدا من الجهود فهما عاجزان حتى الآن عن الوصول للأهداف المتوخاة منهما فى تعميم التمدرس والتغطية الصحية
وبدون شك فإن إقامة جسور وإن كانت صغيرة وهامشية أحيانا فى العاصمة كانت أمرا ضروريا لمواجهة الاختناقات المرورية وإضفاء منظر جمالي مهما كان مستواه على الوجه الحضري للعاصمة
ولعل أبرز إنجاز للرئيس غزوانى هو ضبط الحالة المدنية والوقوف بحزم وصلابة فى وجه المهاجرين غير الشرعيين الذين كان تدفقهم على البلاد يهدد مستقبلها الاقتصادي والاجتماعي والامني
لقد نجح فى التعاطى مع ذلك الملف بمسؤولية وطنية عالية جنبت البلاد كارثة حقيقية كانت تهدد لحمتها وسيادتها عندما قرر بعزيمة لا تلين إبعاد المهاجرين غير الشرعيين وتنظيم دخول الأجانب للبلاد حتى اصبحوا معروفين بالوثائق والجنسيات والبصمة وتمكن مراقبتهم والتنظيم الآمن لإفامتهم فى البلاد
ونجحت التطبيقات المرتبطة بالحالة المدنية " هويتى" مثلا فى اختصار الوقت والجهد ليحصل المواطن الموريتاني داخل البلاد وخارجها على اوراقه وهو فى منزله دون تجشم عناء الطوابير والمراجعات العبثية للدوائر الحكومية
وكان تعامل الرئيس مع أزمة مالى قمة فى الحكمة الوطنية فلزم صمت الاقوياء ورفض الانسياق خلف الابتزاز والاستعداء مفضلا حقن دماء الموريتانيين والماليين بهدوء تحته صرامة وديبلوماسية تمدها قوة فولاذية عند اقتضاء الضرورة
وبصفة عامة كان اداؤه جيدا فى إدارة علاقات البلاد بجيرانها وبمختلف دول العالم
ولابد من الإشادة ببعض الجهود التى بذلها الرئيس على مستوى التنميتين الزراعية والحيوانية وحرصه على تأهيل الطرق الوطنية وبناء مقاطع طريقة جديدة داخل المدن وللربط بينها
وقد اهتم رئيس الجمهورية بالمتقاعدين الذين يحتاجون مزيدا من الاهتمام بطبيعة الحال غير أن الالتفات لزيادة تعويضاتهم من حين لآخر أمر بالغ الأهمية
ومن النقاط المضيئة فى السبع سنوات الغزوانية الاهتمام باولاد الشهداء وإضافتهم لاول مرة إلى الاسم الرسمي لوزارة الدفاع
وهل يوجد انبل وأفضل وأكرم من الشهداء الذين سقطوا دفاعا عن وحدة موريتانيا الحديثة وسيادتها عبر مراحل تاريخها ومنذ الاستقلال
لقد ظل الشهداء مهمشون وكأن الحديث عنهم يجب أن يبقى سرا حتى لا تثار حفيظة هذا الطرف الأجنبي أو ذاك
إن الاهتمام بالشهداء واولاد الشهداء حق وليس مكرمة ولابد من تحويله إلى واقع يتجاوز اسم وزارة إلى هبة وطنية لتخليد ذكراهم العطرة وتكريم ابنائهم والاحتفاء بأسرهم
ويحسب للرئيس غزوانى اهتمامه بالجيش الوطني وقوات الأمن تدريبا وتسليحا ولقد رأينا ذلك واضحا فى القفزة النوعية للجيش وقوات الأمن التى تم تزويدها بمعدات وآليات ومنظومات قتالية حديثة مقارنة بماعليه الأمر فى جيوش وقوى أمن فى دول مجاورة وبدون شك فإن الاستثمار فى الجندي ورجل الأمن يتطلب جعل ظروفه جيدة معيشيا وصحيا عبر زيادة الرواتب والعلاوات ونوعية الإعاشة والعلاج
ولئن كانت تلك بصمات باقية للرئيس غزوانى على المشهد المحلي فإن السنوات السبع لم تكن كلها نجاحات وإنجازات
صحيح انها تأثرت ب" كورونا" و" هرمز" وهما ازمتان اضعفتا حتى افوى دول العالم واكثرها سطوة اقتصادية وعسكرية ولقدحاول الرئيس مواجهة الازمتين بشجاعة وبخطوات عملية تهدف لدعم فقراء البلاد ليتحملوا تبعاتهما
وفعلا كانت خطوات فعالة فى مواجهة " كورونا" لكنها ضعيفة ومرعوبة ومرتبكة فى مواجهة " هرمز"
تميزت السنوات السبع باستشراء الفساد وضعف جهود محاربته
كانت الدولة ضعيفة منهكة فى مواجهة الشركات والاساطيل الاجنبية التى استمرت فى نهب النحاس والذهب والسمك وغيرها من الثروات الوطنية
وضعفت الدولة درجة " الاستنعام" أمام رجال الأعمال الذين رفعوا الأسعار وتحكموا فى السوق فى ظل تدنى قيمة الأوقية وانخفاض مستويات دخل الفرد وانتشار البطالة فكانوا يقودون قرارات الحكومة وليس العكس ومثال ذلك قطاع المحروقات الذى عجزت الحكومة حتى عن التدخل لاقتراح حلول لأزماته
شهدت السبع سنوات ارتفاعا مذهلا لأسعار السلع الأساسية وتصاعدا غير مسبوق فى أسعار المحروقات
لقد أدى ضعف الدولة إلى تغول العنصريين درجة مجاهرتهم بالدعوة للفتنة وتجاوز كل الخطوط الحمراء دينيا واخلاقيا ووطنيا فاصبحوا يبتزون الدولة ويهددونها مقابل حصولهم على تعيينات وامتيازات خاصة مستغلين خطابات الكراهية والدعوة للفتنة والتهديد بنسف التعايش الوطني
لم ينجح غزوانى فى تعيين حكومات تكنوقراطية تحقق تطلعات الناس ولذلك ظل الحبل على الغارب للتعيينات الجزافية المحاصصية وتدوير المفسدين وإعادة بعض المحترقين ماديا واخلاقبا للخدمة
لقد بدت الدولة فى تلك السنوات السبع شبه غائبة فتدنت خدمات الماء والكهرباء وتقذرت الشوارع والمدن للعجز عن آلية تنظيف وطنية حقيفية
وفى اوقات سيئة شعر المواطنون بغياب الأمن بعد موجات من القتل والاغتصاب والحرابة
وتم سجن مواطنين احيانا لأسباب قد لاتكون وجيهة مع غض الطرف عن من يستحقون السجن وكان قانون الرموز قاسيا فى بعض ملامحه
لقد تنامى نفوذ بعض رجال الأعمال والمقربين من اساطين النظام درجة تحولهم إلى دولة داخل الدولة وهو ما فاقم الفساد والزبونية والمحسوبية وغيب تكافؤ الفرص والمساواة والعدل بين المواطنين
وكان اعتماد غزوانى على رجال ولد عبد العزيز واركان حكمه وحزبه وتدويرهم عبر تعيينات قراقوشية كارثيا حيث رسخ قناعة لدى العامة بأن مسلسل الفساد لم ولن يتوقف وإن تغيرت اسماء هنا وأقنعة هناك
ولقد شهدت السنوات السبع ضعفا فى خدمات المياه والكهرباء وضعفا فى أداء بعض قطاعات العمل الحكومي
وشكل اهتمام النظام بالحزب الحاكم سلطة موازية درجة تغول الحزب أحيانا على الدولة ذلك أنه تحالف بين السياسيين والاقطاعيبن ورجال الأعمال ووجهاء القبائل والمشيخات
وجلبت تلك الوضعية صراعات داخلية صامتة هنا وصارخة هناك بين اجنحة تقتتل للانفراد بالنظام وضرب خصومها فوق وتحت الحزام
إن أسوء شيئ فى حياة مواطن هو ذلك الإحساس القاتل بضعف الدولة وبعد الحكومة عن أن تكون فى خدمته ولديها الفدرة على حمايته وهو إحساس ظهر مع الأسف فى مراحل من السنوات السبع عندما انتشرت الجريمة ورأى الناس الفساد يكبر ويتمدد ورأوا النافذين يتملكون ويتحكمون على حساب عامة الفقراء
ولقد أربكت سياسة " التمييز الإيجابي" مسار الانسجام الوطني لأنه ظهر لاحقا أن اي تمييز إيجابي لفئة اجتماعية أو مهنية يقود على الأرض إلى تمييز" سلبي" ضد فئة أخرى وهكذا خاصة وأنه لا يأخذ بعين الاعتبار كفاءة ولا أهلية حقيقية ل" التميز" يل إنه أصبح بابا يدخل منه بعض السياسيين والحقوقيين لابتزاز الدولة ظنا منه أنها تخافه أو أن الحاجة لها فيه وليس العكس
إن من مساوئ السنوات السبع كثرة الاحزاب السياسية الحقائبية التى يظهر أن ضر كثرتها أكبر من نفعها
كما شهدت السنوات السبع مواصلة لتمييع الصحافة وتجفيف منابعها ودعم فوضاها" الخناقة" وجعل مؤسساتها مجرد " متاجر" صغيرة تستفيد من تمويل هذه الجهة السياسية أو تلك مع ارتباط " مشيمي" بالرئاسة أو الوزارة الأولى أو وزارة الداخلية لتضيع المهنية وينتحر الصدق وتختفى الصحافة نصا وجوهرا ورسالة
كانت السنوات السبع مليئة بالمد والجزر نجح خلالها النظام فى شغل المواطنين بالخوض فى ملفات تنسيهم ولو لبعض الوقت معاناتهم اليومية ولعل من ذلك طول أمد ملف الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز شفاه الله فما يكاد يطوى حتى يفتح من جديد وهكذا
ولا زلنا نعتقد دون تدخل فى المسار القضائي للملف أن الرئيس عزيز بحاجة للاستفادة من حقه فى العلاج خارج البلاد وفق مقاربة لا تقفز على وضعيته والمسار القضائي لملفه
لقد نجح غزوانى فى ملفات واخفق فى أخرى وهو أمر طبيعي فى اي مسا ر بشري مهما كان
وعلى المستوى الشخصي فالرئيس غزوانى اضفى طابعا أخلاقيا ومسحة تواضع واريحية فى التعامل الرئاسي مع المواطنين وقضاياهم اليومية
لقد ظاهر طوال الوقت بين تربية صوفية صارمة تجعل من الأخلاق منطلقا للتعامل مع الآخرين وتربية عسكرية أكثر صرامة تفرض تقاليدها الكثير من الوقار والتحفظ والكتمان
ويحسب له انه لم ينطق العوراء وظل خطابه مهذبا لفظيا واخلاقيا مهما كانت سياقاته العامة والخاصة
.jpg)













