العلاج بالتستوستيرون دون تشخيص طبي قد يضاعف مخاطر الوفاة.. ما الذي تكشفه الدراسات؟

جمعة, 11/06/2026 - 12:40

أصبح العلاج التعويضي بهرمون التستوستيرون خياراً يلجأ إليه بعض الرجال للتعامل مع انخفاض مستويات الهرمون، سواء بهدف تحسين الطاقة أو الرغبة الجنسية أو الحفاظ على الكتلة العضلية. لكن استخدامه من دون وجود نقص مثبت طبياً قد يحمل مخاطر صحية خطيرة، خصوصاً على القلب والأوعية الدموية، ما يجعل التشخيص الدقيق شرطاً أساسياً قبل البدء بالعلاج.

دراسة تكشف مخاطر استخدام التستوستيرون دون حاجة طبية

كشفت دراسة عالمية واسعة نُشرت في أغسطس (آب) 2026 في مجلة eBioMedicine، عن ارتفاع المخاطر الصحية لدى الرجال الذين يستخدمون التستوستيرون دون تشخيص مؤكد بقصور الغدد التناسلية، مقارنة بالرجال الذين يتلقون العلاج بسبب نقص مثبت في الهرمون.

 

وشملت الدراسة نحو 359 ألف رجل تتراوح أعمارهم بين 30 و75 عاماً، واستمرت متابعة حالتهم الصحية لمدة عشر سنوات. وأظهرت النتائج أن الرجال الذين تناولوا التستوستيرون دون وجود نقص موثق كانوا أكثر عرضة بنسبة 50% للإصابة بمضاعفات قلبية خطيرة، من بينها النوبات القلبية والسكتات الدماغية والتوقف المفاجئ للقلب.

كما ارتبط الاستخدام غير المبرر للهرمون بارتفاع خطر الوفاة لأي سبب إلى نحو الضعف، مقارنة بالرجال الذين تلقوا العلاج لتعويض نقص مثبت طبياً.

واعتمد الباحثون على تحليل السجلات الصحية الواردة من 123 منظمة للرعاية الصحية حول العالم، وتبين أن قرابة ثلث الرجال الذين يستخدمون التستوستيرون لا تتوافر لديهم أدلة طبية تؤكد إصابتهم بقصور الغدد التناسلية.

ولا تقتصر مخاطر الاستخدام غير المناسب على القلب، إذ قد يؤدي العلاج إلى ارتفاع عدد خلايا الدم الحمراء بصورة غير طبيعية، ما يزيد لزوجة الدم ويرفع احتمالات حدوث الجلطات، بما فيها جلطات الأوردة العميقة والانصمام الرئوي.

لماذا يجب إجراء الفحوصات قبل العلاج؟

يؤكد هذا التوجه أهمية عدم استخدام التستوستيرون لمجرد الشعور بالتعب أو انخفاض الرغبة الجنسية أو الرغبة في تحسين الأداء البدني. فهذه الأعراض قد تنتج عن أسباب صحية متعددة، ولا تعني بالضرورة وجود نقص في الهرمون.

ويتطلب تشخيص قصور الغدد التناسلية الجمع بين الأعراض السريرية ونتائج التحاليل، إذ يُنصح بقياس مستوى التستوستيرون في الدم خلال ساعات الصباح، وإعادة الفحص في يوم منفصل للتأكد من استمرار انخفاضه، بدلاً من الاعتماد على نتيجة تحليل واحدة.

وتستخدم بعض الإرشادات الطبية مستوى 300 نانوغرام/ديسيلتر (ng/dL) بوصفه عتبة مرجعية للمساعدة في تقييم النقص، مع ضرورة تفسير النتيجة وفق الحالة الصحية والأعراض والفحوصات الأخرى.

التستوستيرون.. أكثر من مجرد هرمون للرجولة

يُنتج هرمون التستوستيرون بصورة أساسية في الخصيتين، تحت تنظيم إشارات هرمونية صادرة عن الدماغ والغدة النخامية. ورغم ارتباطه بالخصائص الذكورية والقدرة الجنسية وبناء العضلات، فإن تأثيراته تمتد إلى أجهزة مختلفة في الجسم.

ويؤدي هذا الهرمون أدواراً مهمة في الحفاظ على صحة العظام والعضلات، وتنظيم توزيع الدهون، وإنتاج خلايا الدم الحمراء، فضلاً عن تأثيره في الطاقة والمزاج والوظائف الذهنية.

ومع التقدم في العمر، قد تنخفض مستويات التستوستيرون تدريجياً لدى الرجال، بمعدل تقريبي يتراوح بين 1% و2% سنوياً بعد سن الثلاثين، إلا أن هذا الانخفاض لا يعني بالضرورة الإصابة بحالة مرضية تستدعي العلاج.

أحدث التوجهات في العلاج التعويضي بالتستوستيرون

شهدت السنوات الأخيرة تطورات في تقييم أمان العلاج بالتستوستيرون وتحديد الفئات التي يمكن أن تستفيد منه، مع التأكيد على ضرورة استخدامه عند وجود نقص حقيقي وتحت إشراف طبي.

ومن أبرز الجوانب التي تتناولها التوجيهات العلاجية:

1- ماذا نعرف عن تأثير التستوستيرون في القلب؟

ظلت العلاقة بين العلاج التعويضي بالتستوستيرون وأمراض القلب موضع نقاش طبي لسنوات، بسبب المخاوف من احتمال زيادة النوبات القلبية والسكتات الدماغية لدى المستخدمين.

لكن نتائج دراسة TRAVERSE السريرية ساهمت في توضيح الصورة، إذ أظهرت أن العلاج بالتستوستيرون، عند استخدامه بصورة منضبطة لدى رجال يعانون نقصاً مثبتاً في الهرمون ولديهم مخاطر قلبية وعائية، لم يؤدِ إلى زيادة الأحداث القلبية الوعائية الرئيسية مقارنة بالعلاج الوهمي.

ومع ذلك، لا تعني هذه النتائج أن العلاج آمن للجميع أو أنه يمكن استخدامه دون متابعة، إذ تظل مراقبة الحالة الصحية وتقييم عوامل الخطر أمراً ضرورياً.

2- أشكال متعددة للعلاج

لم يعد العلاج بالتستوستيرون مقتصراً على الحقن، بل تتوافر أشكال دوائية مختلفة يمكن اختيار الأنسب منها وفق حالة المريض واحتياجاته، ومن أبرزها:

الجل الموضعي: يُستخدم يومياً على مناطق محددة، مثل الكتفين أو الذراعين، ويساعد على توفير مستويات أكثر استقراراً للهرمون. ويتطلب الانتباه إلى منع انتقاله عبر ملامسة الجلد إلى الأطفال أو النساء.

الحقن طويلة المفعول: مثل تستوستيرون أنديكانوات، وتُعطى على فترات متباعدة قد تصل إلى 10 أو 14 أسبوعاً، وفق المستحضر والجدول العلاجي.

الحقن قصيرة المفعول: مثل إنانثات وسيبيونات التستوستيرون، وتُستخدم عادة كل أسبوع أو أسبوعين، ما يتيح تعديل الجرعات بصورة أكثر مرونة، لكنها قد تؤدي إلى تقلب مستويات الهرمون والطاقة والمزاج.

الخيارات الأخرى: تشمل بعض المستحضرات الفموية واللاصقات الجلدية وبخاخات الأنف، بحسب ما هو معتمد ومتاح في كل بلد.

ويعتمد اختيار المستحضر والجرعة على التشخيص والفحوصات والمتابعة الدورية، وليس على تفضيل المريض وحده.

3- تأثير العلاج في الخصوبة لدى الرجال الشباب

من الجوانب المهمة التي يجب الانتباه إليها تأثير التستوستيرون الخارجي في إنتاج الحيوانات المنوية.

فعندما يحصل الجسم على التستوستيرون من مصدر خارجي، قد تنخفض الإشارات الهرمونية التي تحفز الخصيتين، ما يؤدي إلى تراجع إنتاج الحيوانات المنوية، وقد يصل الأمر إلى توقفه مؤقتاً لدى بعض الرجال.

ولهذا السبب، لا يُعد العلاج التعويضي بالتستوستيرون الخيار المناسب عادةً للرجال الذين يرغبون في الإنجاب خلال الفترة المقبلة.

وفي بعض الحالات، قد يدرس الطبيب خيارات علاجية أخرى تحفز إنتاج التستوستيرون داخل الجسم، مثل سترات الكلوميفين أو حقن هرمون موجهة الغدد التناسلية المشيمائية البشرية (hCG)، وفق سبب النقص والحالة الإنجابية.

ما الوظائف الحيوية التي ينظمها التستوستيرون؟

لا يقتصر دور التستوستيرون على الوظيفة الجنسية، بل يمتد إلى مجموعة من العمليات الحيوية التي تؤثر في صحة الرجل، ومن أبرزها:

صحة العظام والوقاية من الهشاشة

يساهم التستوستيرون في الحفاظ على كثافة العظام وتنظيم عملية بنائها، كما يتحول جزء منه إلى هرمون الإستروجين الذي يؤدي دوراً مهماً في صحة الهيكل العظمي لدى الرجال. وقد يؤدي النقص الشديد والمستمر إلى انخفاض كثافة العظام وزيادة احتمالات الإصابة بالهشاشة والكسور.

تنظيم الدهون والتمثيل الغذائي

يساهم الهرمون في تنظيم توزيع الدهون والحفاظ على الكتلة العضلية، وقد يرتبط انخفاض مستوياته بزيادة الدهون المتراكمة حول البطن وتراجع حساسية الجسم للإنسولين. لكن هذه التغيرات تتداخل أيضاً مع عوامل أخرى، مثل الوزن والنشاط البدني والتغذية.

إنتاج خلايا الدم الحمراء

يساعد التستوستيرون على تحفيز إنتاج خلايا الدم الحمراء من خلال التأثير في آليات إنتاج هرمون الإريثروبويتين ونشاط نخاع العظم. ولهذا قد يرتبط انخفاضه بفقر الدم لدى بعض الرجال، بينما قد يؤدي العلاج بجرعات مرتفعة أو غير مناسبة إلى زيادة عدد خلايا الدم الحمراء بشكل مفرط.

الطاقة والمزاج والوظائف الذهنية

توجد مستقبلات للتستوستيرون في مناطق متعددة من الدماغ، ولذلك قد يؤثر نقصه في مستويات الطاقة والدافعية والمزاج، وقد يرتبط بصعوبات التركيز والشعور بالإرهاق. ومع ذلك، لا تعني هذه الأعراض وحدها وجود نقص هرموني، إذ يمكن أن تنتج عن اضطرابات النوم أو الاكتئاب أو مشكلات صحية أخرى.

ما أعراض انخفاض التستوستيرون لدى الرجال؟

يختلف ظهور أعراض نقص الهرمون من شخص إلى آخر، وقد تكون تدريجية وغير واضحة في البداية. ومن أبرز العلامات التي تستدعي التقييم الطبي:

انخفاض الرغبة الجنسية.

ضعف الانتصاب أو تراجع الانتصاب الصباحي التلقائي.

الشعور المستمر بالتعب والإرهاق وفقدان الطاقة.

تراجع الكتلة العضلية والقوة البدنية.

زيادة الدهون في الجسم، خصوصاً منطقة البطن.

تقلبات المزاج وانخفاض الدافعية.

اضطرابات النوم وصعوبة التركيز.

انخفاض كثافة العظام، وقد تظهر هشاشة العظام في الحالات المتقدمة.

تضخم أنسجة الثدي لدى بعض الرجال نتيجة اختلال التوازن الهرموني.

ولا يكفي ظهور عرض واحد أو أكثر لتأكيد الإصابة بقصور الغدد التناسلية، بل يتطلب التشخيص تقييماً طبياً وتحاليل متكررة لمستويات الهرمون.

هل ينخفض التستوستيرون مع التقدم في العمر؟

يميل مستوى التستوستيرون إلى التراجع تدريجياً مع تقدم الرجل في العمر، بخلاف التغير الهرموني الأكثر وضوحاً الذي يحدث لدى النساء عند انقطاع الطمث. ويُطلق أحياناً على هذا التراجع اسم «سن اليأس الذكوري»، لكن المصطلح لا يعبر عن حالة موحدة تصيب جميع الرجال.

فليس كل انخفاض مرتبط بالعمر مرضاً يحتاج إلى علاج، كما أن عوامل مثل السمنة والسكري والأمراض المزمنة واضطرابات النوم وبعض الأدوية قد تؤثر في مستويات الهرمون.

الخلاصة: العلاج عند الحاجة وليس لتحسين الأداء فقط

تؤكد النتائج الحديثة أن العلاج بالتستوستيرون قد يكون مفيداً للرجال الذين يعانون نقصاً هرمونياً مثبتاً وأعراضاً مرتبطة به، لكنه ليس وسيلة عامة لزيادة الطاقة أو بناء العضلات أو تحسين الأداء الجنسي لدى من لديهم مستويات طبيعية.

والخطوة الأهم قبل استخدامه هي التأكد من وجود نقص حقيقي من خلال الفحوصات والتقييم الطبي، مع متابعة مستويات الهرمون وعدد خلايا الدم الحمراء والاستجابة للعلاج. كما ينبغي مناقشة الرغبة في الإنجاب قبل البدء به، لأن التستوستيرون الخارجي قد يؤثر سلباً في إنتاج الحيوانات المنوية.