أغنياءُ دون تعب وفقراءُ بلا سبب

ثلاثاء, 08/11/2026 - 11:11
محمد يحيي ولد العبقري

ابتداءً، أنبّه إلى أن هذا المكتوب يتناول ظاهرة الفساد وصورها وآثارها، وكيف تُفضي بعض ممارساته إلى صناعة الثراء غير المشروع وإفقارِ فئاتٍ من المجتمع، من خلال العبث بمقدرات البلد وإهدار موارده.

 

كما يأتي في إطار إماطة اللثام عن السلوكيات الضارة، استجابةً لنداء رئيس الجمهورية بأن مكافحة الفساد مسؤولية جماعية تتطلب تضافر الجهود.

 

موريتانيا، جغرافيا متنوعة ومقدرات هائلة يراقبها الجميع جشعًا وحسدًا، أزيد من ستين عاما على الاستقلال، فما قصة الثراء والفقر الملازمين للبلد بسببٍ وبدون سبب.

 

البلد قليل السكان، نشأ على البادية قبل قيام الدولة ولم يستفد من المستعمر، لما قابله من مقاومات عسكرية وثقافية، فأُريد لهذا الجزء من غرب إفريقيا أن يظل في عيش بدوي، بل بدائي، لولا أن تداركته العناية، وليحصل على الاستقلال، وبصعوبة، سنة 1960. 

 

وفي السنة نفسها حصلت بلاد أخرى على الاستقلال، لكنها اليوم، مقارنةً بما نحن عليه، متقدمة في مجالات الطب والمدنية ومجالات التحضر: تزيين الشوارع، والتبليط، والصرف الصحي، ونحو ذلك.

 

والبلدُ اليوم منقسمٌ إلى فئتين: فئة ثرية جدًا، وأخرى فقيرة عن عُمق. فإذا لم يكن الفساد موطن الخلل، فما عسى أن يكون؟

 

ليت الزمان عاد بنا إلى أيام خلت، كانت فيها قطاعات خدمية على قدر كبير من الكفاءة والتميز، مثل:

PHARMARIM-L'UBD-BAAM-BANQUE DE L'HABITAT- SONIMEX-SMAR -

 

الشركة الوطنية للإيراد والتصدير – الشركة الوطنية للتأمين - فارماريم – اتحاد بنوك التنمية – بنك الإسكان - البنك العربي الإفريقي في موريتانيا.

 

فعلى سبيل المثال، كانت الشركة الوطنية للتأمين وإعادة التأمين تقوم بدفع ديات حوادث السير، وتعوض المتضررين بعكس ما نشهده اليوم من غلاء التأمين، دون أي مقابل، حيث تُفرض مليارات الأوقية على المواطنين من دون أي تعويض وتقوم فارماريم سابقا باستيراد الدواء الأصلي بأسعار مضبوطة وموحدة، أما اليوم فالصيدلية حانوت يديره من لا خبرة له بعلم الصيدلة، وقد يصرف لك ما لم يُوصف، ناهيك عن جودة الدواء، حيث ينصح الطبيب باقتناء الدواء من الخارج.

 

كان ينبغي لهذه المؤسسات أن تتطور وتنمو، لا أن تتقهقر، وذلك لأسباب عديدة، منها ازدياد الثروة واستغلال مقدرات البلاد.

 

إنه، مع هذه العوامل، لا ينبت التفاؤل، بل تأخذ الحيرة مكانه، ولنظل في دوامة من تقاسم الخوف وانعدام الثقة في محيط ثقيل أصلًا.

 

وينتج عن ذلك ازدياد المتاعب المالية، من التضخم والارتفاع الجنوني للأسعار، وخلق رهط غني بامتياز من دون أدنى جهد أو مردود على الأمة، مقابل عوز مدقع: إنه البعضُ يأكل الجميعَ.

 

ولو أن ثروات البلد لا تزال مقبورة، لكان الأمر أحسنَ، لكنها أُخرجت واستُغلت بإسراف من لدن شركاء دوليين لا يعرفون الشبعَ، ووطنيين يمتهنون الإفساد أيضًا.

 

ويعتقد كثيرون أن المال العام وراء خلق رجال الأعمال والأغنياء، وذلك من خلال الصفقات بشروط ميسرة، وتراخيص الصيد والبحث وغيره، فلا مصانع ولا زراعة ولا جامعات علمية وراء هذا الثراء.

 

ولو أن هذا المال شُيّدت به مصحات تُغني عن العلاج خارج البلد، أو لو أنه أقام مشاريع وطنية تشغّل يدًا عاملة، لكان خيرًا للأمة.

 

هذا مع ظواهر دخيلة تتمثل في الشطارة والنفاق السياسي ونحو ذلك، ما جعل المال العام مستباحًا، لا تثريب على آكله، بل هو ضرب من "اتفكْريش"، والموظف الذي يترفع عنه نعدّه من "المنفوشين" الذين لا شخصية لهم.

 

وفي هذا المناخ، وفي ظل عدوى موت الضمير لدى العامة وسيادة سياسة "ويل امك يالوراني" تحتم أن تتسم مقارعة هؤلاء باللّين لخطورتهم، لأن مواجهة تغلغل الفساد في الأرض وعرة، وتتطلب جهد الجميع، كما قال رئيس الجمهورية الذي يجب أن نكون له ظهيرا في هذه المعترك العصيب.

 

وقد نتج عما ذكرت وجودُ فئتين لا ثالث لهما: فئة غنية دون جهد معلوم، وأخرى فقيرة بلا سبب موضوعي، فوفرة الموارد وقلة العدد تجيزان للجميع العيش الكريمَ.

 

كما غابت الطبقة المتوسطة التي، في الأصل، تتشكل من الموظفين، الذين أصبحوا هم أيضًا فئتين: غنية وفقيرة، بسبب الاعتلال في الإدارة.

 

لست بصدد القول إن الظاهرة جديدة، بل هي تتبعت الضرب الطبيعي: عشّش، باض، فرّخ، وهو ما يجعل مواجهتها صعبة بعد أن أضحت ظاهرة اجتماعية لا تستجيب.

 

لقد تم وضع آليات لمكافحة الفساد، بيد أن قيامها بمهام رادعة يتطلب من الوقت ما لا تتحمله الأوضاع العاجلة التي تتطلب التسريع، عسى أن يتم تدارك شيء ما.

 

 وأمام هذه الثنائيات الضارة، الفقر والثراء من دون علل، أقدّم هذا المكتوب للمثقفين وأصحاب الضمير لإعادة النظر ومراجعة واقع الفساد، الذي، وكما قال رئيس الجمهورية، يتطلب جهود الجميع (لَحْمية).

 

المؤكد أن القضاء على الفساد، يجعلنا نعيش سنوات مديدة، فيها يُغاثُ الناسُ وفيها يعْصرون.