بأي منطق يُغَيَّبُ التمييز الإيجابي القطاعي؟- محمد الأمين الفاضل

ثلاثاء, 05/19/2026 - 15:47

أستغرب دائما من عدم مطالبة من يرفعون شعار الدفاع عن الفئات الهشة والمغبونة بتمييز إيجابي على مستوى القطاعات الإنتاجية والخدمية، وذلك في وقت يركزون فيه على المطالبة بتمييز إيجابي في التوظيف. فلماذا التركيز على هذا المطلب دون غيره، وهل ستشكل الاستجابة لهذا المطلب حلا سحريا لكل مشاكل وهموم الفئات الهشة في بلادنا؟
إن الإجابة على هذا السؤال تقتضي التوقف عند جملة من النقاط لعل من أبرزها:
الأولى: التوظيف مجرد حل فردي لأزمة شاملة
إن الوظائف في القطاع العمومي محدودة أصلا، ورواتبها متدنية، ومن الصعب جدا أن يتحسن حال الموظف في القطاع العمومي بشكل ملموس من خلال راتبه فقط. فحتى ولو افترضنا تخصيص كل الوظائف في القطاع العام للفئات الهشة، وهي وظائف محدودة أصلا، وهذا يستحيل عمليا، فحتى ولو افترضنا ذلك، فإن حال من تم توظيفهم لن يتغير كثيرا، اللهم إلا إذا نهبوا المال العام، وتلك قصة أخرى.
خلاصة القول بخصوص هذه النقطة هي أن التمييز الإيجابي في التوظيف قد يحل ـ وبصعوبة ـ مشاكل فردية، لكنه لن يحل مشاكل الغبن والتهميش بشكل عام، والتي تعاني منها فئات واسعة في المجتمع. 
الثانية: خدعة المناصب السامية
إذا ما تجاوزنا الوظائف العادية، إلى الوظائف العليا والسامية، فسنجد أن الأمر لن يختلف كثيرا. ولتبيان ذلك، فسأكتفي بتقديم أمثلة محددة عن انعدام الأثر الإيجابي على شرائح ومكونات ومناطق من مُنِحوا تلك الوظائف السامية.
فإذا كنتم تريدون أمثلة محددة من الواقع، فخذوا هذه الأمثلة السريعة: هل تذكرون أول رئيس للبرلمان الموريتاني في عهد نظام ولد الطايع، فبماذا استفادت شريحته ـ وهي قليلة العدد نسبيا ـ خلال فترة رئاسته للبرلمان؟ يمكنني أن أقول ـ وبكل اطمئنان ـ إجابة على هذا السؤال: لا شيء، لا شيء إطلاقا. وبماذا استفادت ولاية الحوض الشرقي من احتكار الوزارة الأولى لربع قرن تقريبا، فهل استفادت الولاية تنمويا، وهل تحسنت وضعية ساكنتها، أم أن التحسن اقتصر فقط على الأسر الضيقة للوزراء الأول المنحدرين من تلك الولاية؟ لا أظنني بحاجة لأن أجيب على هذا السؤال.
سؤال آخر: هل لاحظتم تحسنا ما ـ حتى ولو كان ضعيفا ـ في أوضاع الفئات الهشة حدث في عهد الوزير الأول السابق، ولم يحدث في عهد الوزير الأول الحالي أو الأسبق؟
خلاصة القول بخصوص هذه النقطة، هي أن الوظائف السامية قد تمتص قليلا من عدم رضا قبيلة أو شريحة أو جهة، ولكنها لا تترك اثرا تنمويا على تلك القبيلة أو الشريحة أو الجهة.
الثالثة: المحاصصة ليست حلا
كثيرا ما تقود المحاصصة إلى كوارث، فهذا ما تقوله تجاربها في لبنان والعراق وفي دول أخرى. ومع ذلك أجدد القول: إني لستُ ضد التمييز الإيجابي في التوظيف، ولكن إن خُيِّرتُ بين حكومة من الموظفين الأكفاء والمستقيمين، لا تربطني بهم أي صلة قبلية أو جهوية أو عرقية، وحكومة من الفاسدين ينتمون إلى قبيلتي أو جهتي، لاخترت الأولى دون تردد.
 خلاصة القول بخصوص هذه النقطة، هي أن الموظف الكفء والمستقيم سيصل نفعه إلى الجميع عندما يُعَيََّن، أما الموظف الفاسد أو غير الكفء فإن ضرره سيعمُّ الجميع، بمن في ذلك أبناء قبيلته أو شريحته أو مدينته.
الرابعة: القطاع غير المصنف هو شريان الحياة للفئات الهشة
إن ما يمكن أن يُحَسِّن وبشكل ملموس من واقع الفئات الهشة هو التمييز الإيجابي على مستوى القطاعات الإنتاجية والخدمية، وخاصة منها القطاع غير المصنف الذي يعتبر شريان حياة لآلاف الأسر الهشة.
 هناك آلاف الأسر الهشة التي أصبحت مهددة في مصادر رزقها، نتيجة للتطور الحاصل في المدن الكبرى، ونتيجة كذلك لتدفق المهاجرين إلى بلادنا. فعندما تظهر مثلا "مجزرة عصرية" في حيّ ما، افتتحها موريتاني متوسط الحال، أو افتتحها أجنبي مقيم في البلاد، فإن ذلك سيعني أن عددا ليس بالقليل من الجزارين الصغار في ذلك الحي ممن لا يملكون إلا طاولات من الخشب يتجمع حولها الذباب سيضطرون في النهاية إلى البحث عن مصادر أخرى للرزق. نفس الشيء يحدث عندما تُفتح "مغسلة عصرية في الحي"، أو محل عصري لبيع الخضروات.
إن توفير التمويل لصغار الجزارين، وبائعات الخضروات، والعاملين في غسل الثياب وغيرهم من أصحاب المهن الصغيرة، سينقذ آلاف الأسر الهشة من منافسة غير متكافئة.
خلاصة القول بخصوص هذه النقطة هي أن المطالبة بإنشاء وكالة خاصة بالقطاع غير المصنف، يجب أن تكون من أهم المطالب التي يرفعها من يهتم حقا بالفئات الهشة.
الخامسة: محاربة التهميش تبدأ من إصلاح التعليم
إن تطوير المدرسة الجمهورية، وتحسين جودة التعليم العمومي، وتوسيع برامج الكفالات والمنح والإطعام المدرسي في المناطق الأكثر هشاشة، والاهتمام بالتكوين المهني للمتسربين من المدارس، أو الذين لم يدرسوا أصلا، ستبقى هي الوسائل الأكثر فعالية لكسر دائرة الفقر والتهميش والغبن. يمكن أن نضيف للتعليم توفير الصحة، والماء، والكهرباء إلى غير ذلك من الخدمات الأساسية في المناطق الهشة، فغياب هذه الخدمات عن المناطق الهشة يعتبر من أخطر أشكال التهميش.
خلاصة القول بخصوص هذه النقطة هي أن التعليم سيبقى هو الوسيلة الأكثر فعالية لمواجهة الغبن والتهميش، حتى وإن كانت ثماره لا تحصد بشكل فوري ومباشر.
السادسة: من يحارب الفساد يقضي على التهميش
إن على من يرفع شعار الدفاع عن المهمشين، أن يكون من أول المطالبين بمحاربة الفساد، فالحكومات عندما تخصص موارد ضخمة للتعليم أو لتمويل المشاريع الصغيرة في القطاع غير المصنف مثلا، دون أن تحارب الفساد، فسيعني ذلك أن المهمشين لن يستفيدوا من تلك الموارد المخصصة لهم نظريا في تبويبات الميزانية، فكل مبلغ يُنهب من المال العام، وكل مشروع يُنفذ بطريقة سيئة، وكل توظيف عن طريق الزبونية والمحسوبية، إنما يُقتطع في النهاية من حق الفقير المهمش في التعليم والصحة والماء والكهرباء والعمل، ولهذا، فإن أي حديث عن إنصاف الفئات الهشة لن يكون جادا إذا لم تصاحبه حرب حقيقية وصارمة على الفساد.
خلاصة القول بخصوص هذه النقطة هي أن القضاء على التهميش يبدأ وينتهي بمحاربة الفساد. 
السابعة: لنطرح السؤال مرة أخرى
فلماذا يركز كثير من الذين يرفعون شعار الدفاع عن الفئات الهشة على المطالبة بالتمييز الإيجابي في الوظائف، ويتجاهلون ما هو أهم: المطالبة بالتمييز الإيجابي على مستوى القطاعات الإنتاجية والخدمية؟ فهل السبب يعود إلى أن التمييز الإيجابي في التوظيف ستعود ثماره على المطالبين به دون غيرهم وهم فئة قليلة جدا، في حين أن التمييز الإيجابي في القطاعات الإنتاجية والخدمية ستنعكس آثاره على أعداد كبيرة جدا من الفئات الهشة.
وبعبارة أكثر وضوحا، فإن ثمار التمييز الإيجابي في الوظائف ستعود حصرا على نخبة الفئات الهشة، وثمار التمييز الإيجابي في القطاعات ستعود على عامة الفئات الهشة، ونحن في هذه البلاد قد تعودنا من مختلف نخبنا أن تتاجر بقضايا جماهيرنا الكادحة.
إن تركيز قادة وواجهات الحركات التي ترفع شعارات حقوقية أو أيديولوجية أو سياسية على المطالبة بالتوظيف والامتيازات الشخصية ليس بالأمر الجديد في بلادنا، فالحركات الإيديولوجية من كادحين وناصريين وبعثيين وإسلاميين لم تتمكن من تحقيق الكثير من مطالبها، بسبب أن العديد من قادتها كانوا يبحثون عن وظائف وامتيازات شخصية على حساب "الشعارات المرفوعة"، ونفس الشيء يمكن أن نقوله عن حركة الحر في مرحلة لاحقة، وعن الكثير من الأحزاب السياسية التي رفعت شعارات مطالبة بالتغيير.
ختاما، وبكلمة واحدة: عندما تنحصر المطالب، حقوقية كانت أو سياسية أو إيديولوجية في التوظيف والامتيازات الشخصية والمحاصصة، فلتعلموا حينها، أن ذلك سيكون على حساب "القضية"، أيًّا كانت تلك القضية.
حفظ الله موريتانيا..