الصراع الأمريكي–الإيراني: حين تتعرّى الهيمنة أمام منطق السيادة

جمعة, 01/30/2026 - 13:02

ليس الصراع الدائر اليوم بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية مجرّد توترٍ عابر أو خلافٍ دبلوماسي قابل للاحتواء، بل هو تعبير مكثّف عن مواجهة تاريخية بين مشروعين متناقضين: مشروع الهيمنة المطلقة، ومشروع السيادة الوطنية المستقلة. إن ما نشهده ليس نزاعًا حول برنامج نووي أو نفوذ إقليمي فحسب، بل معركة على تعريف النظام الدولي ذاته، ومن يملك حقّ رسم حدوده ومعاييره.

منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، تحوّلت إيران إلى حالة استثنائية في معادلة الشرق الأوسط؛ دولة قرّرت، بوضوح نادر، أن تفكّ ارتباطها بالإرادة الأمريكية، وأن تبني قرارها السياسي والعسكري والاقتصادي خارج منظومة التبعية. هذا القرار، بحدّ ذاته، كان كافيًا ليضعها في مرمى الاستهداف المستمر، لأن واشنطن لا تُعادي الدول بسبب ما تفعله، بل بسبب ما تُمثّله.

تُقدّم الولايات المتحدة صراعها مع إيران على أنه دفاع عن “الأمن العالمي” و”منع الانتشار النووي”، غير أن الوقائع تُكذّب هذا الخطاب. فواشنطن، التي تمتلك أكبر ترسانة نووية في العالم، وتغضّ الطرف عن الترسانة النووية الإسرائيلية خارج أي رقابة دولية، لا يمكنها ادّعاء الحياد أو الأخلاقية حين تتعامل بازدواجية فاضحة مع الملف الإيراني. إن المشكلة الحقيقية ليست في قدرات إيران، بل في استقلالها.

لقد أثبتت التجربة أن سياسة العقوبات، والضغوط القصوى، والتهديدات العسكرية لم تُفلح في كسر الإرادة الإيرانية. بل على العكس، أسهمت في تعزيز الاعتماد على الذات، وتطوير القدرات المحلية، وترسيخ خطاب الصمود في الداخل الإيراني. إيران، التي صُنّفت لعقود كدولة “محاصَرة”، نجحت في بناء منظومة ردع إقليمية، وفي فرض نفسها لاعبًا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة تخص أمن الخليج أو مستقبل الشرق الأوسط.

ومن منظور عربي، فإن هذا الصراع يستحق قراءة أكثر تحررًا من السردية الأمريكية الجاهزة. فالدول العربية، التي عانت طويلًا من التدخلات الخارجية، والانقلابات، والحروب بالوكالة، تدرك أن استهداف إيران اليوم ليس إلا حلقة في سلسلة طويلة من محاولات إخضاع المنطقة لإرادة خارجية واحدة. إن دعم حق إيران في السيادة والاستقلال لا يعني بالضرورة تبنّي كل سياساتها، بل يعني الانحياز إلى مبدأ أساسي: حق شعوب المنطقة في تقرير مصيرها دون وصاية.

إن الولايات المتحدة، التي اعتادت فرض شروطها بالقوة، تجد نفسها اليوم أمام خصم لا ينهار تحت الضغط، ولا يفاوض من موقع الضعف. ولهذا يتصاعد التوتر، وتُرفع نبرة التهديد، لأن مشروع الهيمنة لا يحتمل نموذجًا ناجحًا للعصيان السياسي. فإيران، في نظر واشنطن، ليست خطرًا عسكريًا بقدر ما هي خطر فكري وسيادي.

في المحصلة، الصراع الأمريكي–الإيراني هو اختبار حقيقي لمرحلة انتقالية في النظام الدولي، حيث لم تعد القوة الأمريكية مطلقة، ولم يعد العالم أحادي القطب. وإيران، بصمودها ومناورتها وقدرتها على البقاء، تقدّم مثالًا لدولة قرّرت أن تدفع ثمن الاستقلال، بدل أن تعيش في ظل الطاعة. وفي زمنٍ تتراجع فيه المبادئ أمام المصالح، يبقى هذا الخيار، مهما اختلفنا حوله، جديرًا بالتأمل و الدعم

 

■محمد ولد حامد 
باحث في الشؤون السياسية و العلاقات الدولية