معادلة جديدة في علاقتنا بجار الجنوب (مقال تحليلي استشرافي)

أحد, 04/07/2024 - 20:55
الدكتور محمدو ولد احظان

"يا عساس او يا مساس، أرع مالك لا ينحاص"

 

يبدو لي أن النخبة السياسية والفكرية الموريتانية يجب أن تنتبه بصورة جادة، من أدناها إلى أعلاها، ومن تنفيذيها إلى تشريعيها، إلى قضائيها إلى صحافيها، إلى خبرتها الاقتصادية والقانونية، إلى انتباهها الأمني، إذ يظهر أنه يجد جديد غير مسبوق على حدودنا الجنوبية مع جارتنا التاريخية: السينغال "إيسنغان" بقراءة تاريخية.

 

هذا الجديد الذي يستدعي إعلان حالة طوارئ فكري استراتيجي، هو ظهور نظام لديه رؤية مختلفة بشكل جذري - إلى حد الآن - عن الأنظمة السينغالية السابقة، منذ فشل "السودان الغربي" قبيل تأسيس دول الاستقلال إلى اليوم.

 

سأحاول في سلسلة من ثلاثة مقالات تحليلية واستشرافية تتوخى رؤية استراتيجية، النظر في العلاقات عبر نهر السينغال بيننا وبين إخوة لنا في الجوار والدين والتاريخ والمصالح الجارية، وذلك عبر الإجابة عن ثلاثة أسئلة تترتب عليها أسئلة فرعية سترد في محلها من كل مقال:

 

السؤال الأول:

- ما هي معالم الثابت والمتغير في طبيعة العلاقة بين موريتانيا وبين السينغال؟

 

السؤال الثاني:

- ما المسارات الأكثر توقعا لهذه العلاقات الحيوية للبلدين، في سياق ذاكرة خلاف وإنكار ونظرة دونية نشطة، ضمن الرؤى والقناعات والبرامج الانتخابية الجديدة لدى سدنة حزب "باستيف" (صنكو وبصيرو فاي)؟

 

السؤال الثالث:

- كيف تسير موريتانيا علاقاتها بأمان مع السينغال في ظل نظام جديد يتسم بالرادكالية المنفلتة، على حدودها الجنوبية، إلى حد ما هو معلن؟

 

أرجو من القارئ الكريم، أن ينتبه معي في كل الأحوال، إلى جدية الموضوع ومصيريته، وضرورة وضعه في الأولويات الاستراتيجية للجمهورية الإسلامية الموريتانية أيا كان مستواه.. فالتوقي خير من الوقوع.

 

المقال الأول

ما هي معالم الثابت والمتغير في طبيعة العلاقات بين موريتانيا وبين السينغال؟

بعيدا عن الإسهاب، سأحاول أن أكشف عن بعض معالم العلاقات الموريتانية السينغالية، دون الخوض في التفاصيل المتشعبة:

1. ارتبطت موريتانيا والسينغال عبر القرون الماضية وفي التاريخ الحالي بعلاقات حيوية، مثلت ثوابت في هذه العلاقات كان من أهمها:

- التأثير والتأثر الديني الإسلامي العربي عبر النهر ابتداء من العهد المرابطي (ق: 5 ه) وانتهاء بالزوايا العلمية والصوفية،

- التأثير بالهجرة البشرية والسلطة الأميرية الإمامية والحسانية (ق: 11ه)،

- التشارك المجالي منذ منتصف ق: 13 ه 19 م مع بسط الاستعمار الفرنسي سلطته على إقليم والو في السينغال،

- الخضوع للاستعمار الفرنسي المشترك ابتداء من صدر القرن العشرين،

- انفصال المستعمرات مع دول الاستقلال، ميلاد موريتانيا والسينغال باعتبارهما دولتين متجاورتين يفصل بينهما نهر السينغال،

- التعايش الإيجابي بعد نهاية آلام الانفصال، وانطفاء الطموحات الحدودية غير المشروعة،

 

أما المتغير في هذه العلاقات فمن أمثلته:

- التجاذبات العنيفة وما تطلبته من تنفيس الاحتقان السياسي، عبر إنعاش ذاكرة الخلاف الجغرافي، والأطماع الترابية. وهي حالة ولدت في رحم المعارضة السينغالية حينها، وتنفست في تسفير متبادل للسكان ومذابح قادت إلى حرب كان للمرحوم صدام حسين تأثير جوهري في عدم تطورها إلى حرب مفتوحة مباشرة. مما حولها بالتدريج إلى حرب عصابات ومناوشات.

 

ثم جاءت مرحلة الحلول والتسويات، وعيا للمصالح، ومن ذلك:

- وصول البلدين إلى حالة شراكة متزايدة بعد تدخل عامل التشارك المتوج باستغلال حقل الغاز البحري الحدودي (السلحفاة).

 

مخلفات في الذاكرة السياسية النشطة

ماذا بقي فعلا في الذاكرة الحية للحكام الجدد للسينغال من هذه المحطات التاريخية كلها؟

 

من خلال برنامج عثمان صنكو، أثناء ترشحه للرئاسيات السينغالية السابقة، ومن خلال برنامج صنوه بصيرو فاي، هذه السنة يبدو أن الذاكرة السياسية لهذا الثنائي المتصدر انتخابيا تحتفظ بمعالم لا تخطئها عين المراقب، وتجري على ألسنة مؤيديهما الكبار، كما اطلعت على ذلك مباشرة أثناء نقاشات خلال الانتخابات الماضية وكما ظهر في نصوص البرامج الانتخابية..

 

أولا: النظرة الدونية لموريتانيا باعتبارها "دولة أقل شأنا من السينغال،  من حيث:

- "التبعية في الفترة الاستعمارية".

- "الضآلة السكانية: 14.5 مليون ساكن، مقابل 3.5 مليون موريتاني".

 

ثانيا: "ادعاء امتداد ترابي في موريتانيا للسينغال، شمال النهر." (مظلومية موؤودة)،

 

ثالثا: "تخوين الحكومات السينغالية السابقة بتوقيعها اتفاقيات الاستغلال المتساوي لحقل السلحفاة المشترك، باعتبار هذا التخوين أمرا جوهريا في السياسة الاقتصادية المستقبلية التي يجب تصحيحها في البرنامج الحكومي السينغالي القادم".

 

رابعا: "اعتبار أحداث 1989م تراثا للمعارضة التي ستحكم الآن، انطلاقا من الحركة حينها من المعارضة، بقيادة خفية لتلك المعارضة، من الحكومة السينغالية وإن صرفتها عن هدفها، الذي كان على رأسه إسقاط حكومتهم، فحور إلى ترحيل الموريتانيين من السينغال. وكان وزير داخليتها حينها "صونكو" الكبير، أحد مهندسي هذا التنفيس السياسي بما ترتب عليه من أحداث دامية بين البلدين: موريتانيا والسينغال".

 

خامسا: "النفور البادي من الموقف الموريتاني غير المناسب من فرنسا المكروهة في العمق من طرف النظام الجديد في السينغال، عندما يتم له الأمر.. ويرمي مراسيه.. سواء من ناحية الموقف من الثقافة الفرنسية أو السياسة الفرنسية في غرب أفريقيا عموما والسينغال خصوصا".

 

سادسا: إضافة إلى ذلك، أن الروح الشبابية ذات المنزع الإسلامي المندفع، يضرب بأطنابه في تكوين شخصية بصيرو فاي، ورؤاه السياسية العملية.

 

وبحضور عثمان صنكو في الحكومة الجديدة قد يتهيأ الظرف لتغيير مسار السياسة السينغالية تجاه موريتانيا خاصة، سرا وعلانية، إما تدريجيا وإما دفعة واحدة، في مجال الاقتصاد، والسياسة الدولية، والاتفاقيات البينية الأخرى، وفي سلاسة التعامل.

 

إن للذاكرة الخلافية النشطة حضورا باديا وتأثيرا ما على طريقة التعاطي مع الجار الشمالي بالنسبة للسينغال، فإلى أي حد يمكن تطبيق الدوافع الخلافية ميدانيا مع الإكراهات والالتزامات السابقة التي تمس مصالح كبيرة عابرة للدول، خاصة بعد مواجهة واقع الحكم لدى حكام السينغال الجدد؟ بعبارة أخرى: ما مسارات السلوك العملي لحكام السينغال الجدد في سياق تنشيط ذاكرة الخلاف المترسخة حاليا؟

 

سؤال سأجيب عليه في المقال الثاني من هذه السلسلة.

 

وفي الأثناء أذكر بمثل شعبي موريتاني شائع يكرره الأطفال في بعض ألعابهم: "يا عساس او يا مساس، أرع مالك لا ينحاص".