موريتانيا: تقرير سري لوزارة الصحة يكشف انتشار الأدوية المزورة

سبت, 10/28/2017 - 12:56
واجهة العدد 186 من صحيفة الأخبار إنفو

 كشف تقرير سري أعدته لجنة مكلفة بوزارة الصحة الموريتانية عن وجود 60 إلى 100 ألف طن من الأدوية المزورة أو الفاسدة مخزنة في موريتانيا، ويهدف التقرير لاقتراح إجراءات لتفادي تصنيف منظمة الصحة العالمية لموريتانيا ضمن الدول التي تعتبر مصدرا للأدوية المزورة في العالم.

 

وكشف التقرير الخاص الذي حصلت صحيفة "الأخبار إنفو" على نسخة منه أن الأدوية المزورة المنتشرة في موريتانيا تتسبب سنويا في "الكثير من الوفيات والفشل الوظيفي في بعض الأجهزة والأعضاء وتفاقم المقاومة لبعض الأدوية"، مردفة أن تزايد هذه الظاهرة يعتبر "تهديدا للدولة ولصحة ورفاهية المواطنين الموريتانيين".

 

وتحاشت اللجنة في تقريرها تقديم أرقام عن ضحايا الأدوية المزورة في موريتانيا، واكتفت بالحديث عن ضحايا الأدوية المزورة عالميا، حيث قدرت بيانات منظمة الصحة العالمية أن 800.000 شخص يموتون كل سنة بسبب الأدوية المزورة، كما تصل نسبة التزوير في الأدوية المتداولة عالميا إلى 10%، وترتفع النسبة إلى 30% من الأدوية المتداولة في شبه المنطقة.

 

وشددت التقرير على أن "انعدام التسيير الحذر لهذه الأدوية يمكن أن يؤدي إلى أمراض خطيرة وحتى إلى الشلل أحيانا، وأحيانا أخرى إلى الوفاة، بل ربما يؤدي إلى تعقيدات صحية بسبب انخفاض مستوى المادة الكيميائية في المكونات الدوائية وبالتالي ستعتبر هذه الوضعية فتورا في أخذ الدواء وسيتفاقم المرض في بدن المريض".

 

طفرة الموزعين

التقرير الرسمي توقف مع كثرة موزعي الأدوية في موريتانيا، معتبرا أن توسعهم يشكل "دليلا ساطعا على فتح الأبواب أمام التزوير".

 

وقدم التقرير مقارنة بين عدد السكان وعدد شركات توزيع الأدوية في موريتانيا وفي بعض دول الجوار، حيث يقارب عددها في موريتانيا 30 شركة توزيع في حين لا يتجاوز عدد السكان 3,5 مليون نسمة تقريبا.

 

أما في السنغال المجاورة والتي يبلغ تعداد سكانها 14 مليون نسمة فلا يتجاوز عدد الموزعين الكبار للأدوية 6 موزعين، وفي ساحل العاج التي يبلغ تعداد سكانها 19 مليون نسمة يتوقف عدد الموزعين الكبار عند خمسة موزعين فقط.

 

المنحى الخطير..

التقرير توقف مع ما وصفه بـ"المنحى الخطير" الذي يأخذه تهريب الأدوية المزورة في موريتانيا اليوم، مؤكدا أنه أضحى يمثل"مشكلا شائكا للصحة العمومية في البلاد".

 

ولم يتردد معدو التقرير الرسمي في وصف موريتانيا بأنها أصحبت "منصة عائمة لتوزيع الأدوية المزورة في المنطقة"، مردفين أنه في موريتانيا يتم سنويا "تسويق عشرات الأطنان من الأدوية المزورة".

 

وشدد التقرير على أن"أي دواء مزور يمكن أن يؤدي إلى عدم فعالية العلاج، كما قد يؤدي إلى تأثيرات جانبية خطرة، وفي أخطر الحالات إلى وفاة المريض"، واصفا "محاكاة أو تزوير الأدوية بأنها جريمة في كل أوساط الصحة العمومية".

 

ولفت التقرير إلى ضرورة "متابعة سلسة التوزيع، وجميع العناصر المتعلقة بالموضوع والتي تمس قطاع الأدوية في موريتانيا".

 

دعائم النشاط التهريبي

وتوقف التقرير مع الأسباب المشجعة لتهريب الأدوية المزورة في موريتانيا، وتوسيع قاعدة انتشارها معتبرا أن من أبرزها عدم إمكانية الحصول على أدوية ذات جودة حقيقية.

 

ورأى التقرير أن الوصول إلى الأدوية ذات الجودة المؤكدة يعتبر إشكالية كبيرة في العديد من الدول حول العالم وخاصة في إفريقيا "وذلك بسبب أسعارها المرتفعة بالنسبة لقدرات السكان المحليين، ونظرا لدني الرواتب التي لا تغطي مصروفات الغذاء، وكذا انقطاع أو نفاد المخزون الدوائي وضرورة استيراد العديد من الأدوية مما يدفع  بالمريض إلى خيارات أخرى غير مؤمنة، والتي في الغالب تغزوها الأدوية المزورة ليتمكنوا من الدواء والعلاج".

 

أما السبب الثاني – حسب التقرير – فهو "تعقيد طرق التوزيع، مما يضاعف من نقاط الدخول المكنة للأدوية المزورة، وعدم معرفة هذه النقاط تحول دون التحكم أو التفتيش الفعال وتخلق بالتالي أرضية لأنشطة المهربين".

 

وأردف التقرير: "ومن جهة أخرى يعتبر انتشار الوسطاء وطرق التزويد سببا في عدم التمكن من متابعة هذه الشبكات، وكذا تنامي الفساد والرشوة والتي تتفاقم إلى حد كبير في إفريقيا، كما أن غموض الطرق التي تسلكها هذه الأدوية يجعل من الصعب العثور على المسؤول الذي غض النظر وسمح لتلك الأدوية المزورة بالدخول بطريقة غير شرعية".

 

وكان ثالث الأسباب هو "ضعف إمكانيات سلطات التنظيم"، حيث خلص التقرير الرسمي إلى "أن التحكم والسيطرة على طرق الإمداد أمر صعب وتحد كبير لسلطة التنظيم نظرا لضعف وسائلها المادية والبشرية، ضف لذلك أن العديد من الدول تعاني من مصادر ضعيفة وخاصة في القطاع الصحي الذي يشهد هشاشة وضعفا، خاصة في القطاع الصيدلاني وكذلك قطاعات الشرطة والجمارك والإرادة".

 

وأضاف التقرير أن "مما يفاقم الأمر غياب التكوين والتمويل في حين أن مجمل هذه القطاعات كلها في حاجة ماسة للفعالية لأن مساهتمها ضرورية في المحاربة الفعالة ضد تهريب الأدوية المزورة".

 

كما توقف التقرير مع "هشاشة الحدود"، مشيرا إلى أن هذه النقطة ترتبط ارتباطا وثيقا مع نقطة ضعف إمكانيات الجهات المعنية، مشيرا إلى قطاع الجمارك يعاني "من قلة المصادر المالية، وعدم تطبيق القوانين بشكل صارم".

 

وشدد التقرير على أن "كل هذه الظروف تزيد من هشاشة الحدود وتحد من فرص السيطرة عليها، وتسهل عمليات الإيراد والتصدير للأدوية المحرمة والتي هي في الغالب مزورة".

 

غياب الرادع القانوني

كما توقف التقرير مع غياب الردع القانوني للمزورين، بل وحتى الفراغ القانوني في بعد الأحيان، ووصفه بأنه يشكل "تحديا كبيرا في الدول المتقدمة، وحتى في الدول النامية على حد سواء رغم تفاقم تزوير وتهريب الأدوية خلال الفترات الأخيرة".

 

ورأى التقرير أن "غياب الرادع القانوني يعتبر مشجعا للمجرمين مما يجعل أي حرب قوية على المهربين عديمة الجدوى".

 

وأشار التقرير إلى أن أغلب دول شبه المنطقة لا توجد فيها قوانين تعاقب شدة شبكات تهريب وتزوير الأدوية "وبالتالي تجد السلطات نفسها غير مسلحة بما يكفي في حربها على الأدوية المزورة؛ رغم الخطر الكبير على الصحة العمومية على المواطنين التي تشكله هذه الأدوية".

 

ورأى معدو التقرير أن المهنيين والمختصين في الميدان في موريتانيا يشيرون بأصابعهم عند الحديث عن تزوير الأدوية إلى "عدم تنظيم السوق، ويلقون باللوم على الانفتاح على القطاع الخاص الذي أدى إلى شبكات الأدوية المزورة، ومضاعفة الموزعين وانتشارهم رغم الجانب الإيجابي في التنافس الذي خلقه القطاع الخاص في نقص أسعار الأدوية وإمكانية الولوج في بعض الأحيان إلى الأدوية الشرعية".

 

وتحدث التقرير عن "هشاشة نظام مراقبة الصحة" في دول غرب إفريقيا، مضيفا أن ذلك ينتج "ظروفا سانحة لنمو التهريب الذي يوظف مجرمين يقودهم الجشع دون مراعاة العواقب الوخيمة لتصرفاتهم".

 

لجنة مختصة لمحاربة التزوير

التقرير الرسمي الذي أعدته لجنة مكلفة من وزارة الصحة لاقتراح إجراءات لتفادي تصنيف موريتانيا من قبل منظمة الصحة العالمية بين البلدان التي تعتبر مصدرا للأدوية المزورة خلص إلى اقتراح تشكيل لجنة متخصصة لمحاربة الأدوية تمثل فيها الحكومة ومختلف القطاعات المعنية بالمجال.

 

وأكد التقرير أن إنشاء هذه اللجنة يعتبر "مستعجلا"، حاثا على ضرورة التشاور قبل إنشائها مع الموزعين الكبار للأدوية، وكذا مختلف الشركاء الاجتماعيين، وجميع الأطراف المعنية الوطنية والدولية.

 

وذكر التقرير من بين الأطراف التي يشملها التشاور السلطات الصحية، والسلطات القضائية، والجمارك، والإدارات الصيدلية، والموزعون الكبار، والمسؤولون في شبكة الصيادلة والمهنيون في قطاع الصحة بموريتانيا.

 

وشدد التقرير على أن جودة الأدوية تعتمد بالأساس "على كفاءات المختبر الوطني للأدوية التابع لوزارة الصحة عبر إدارة الصيدليات والمخابر DPL، وبالتعاون مع إدارة الجمارك"، لافتا إلى ضرورة "تسويق الأدوية عبر المركزية لشراء الأدوية الأساسية والمستهلكة CAMEC بالإضافة إلى الموزعين المعتمدين".

 

وأناط التقرير باللجنة المقترحة عدة صلاحيات، هي:

-       تفعيل قطاع الصحة من أجل تأمين أوسع للأدوية من التزوير.

-       تشجيع سياسات الجودة التي تتماشي مع المعايير الدولية.

-       خلق فعالية أكبر من أجل عائدات اقتصادية أوسع.

-       نشر ثقافة وممارسات مسؤولة تتماشي مع واجبات المهنة.

ودعا التقرير لتعبئة الفاعلين المحليين المعنيين لمواكبة جهود محاربة تزوير الأدوية.

 

إستراتيجية لتطهير قطاع الصحة

وطالب التقرير باعتماد إستراتيجية وخطة علمية تركز بالخصوص على التكوين بالعدد والجودة، وتهدف لتطهير قطاع الصحة والتوزيع ومحاربة الأدوية المزورة، وتعتمد "صرامة أكبر في رقابة الجودة لكافة الأدوية، وتضمن تنافسا شرعيا ومفتوح".

 

كما تحدث التقرير عن إمكانية "الاحتكار حسب التخصص"، مع التسجيل الصارم لكل الأدوية عبر إيجاد خلق لجان لذلك، والعمل على التطبيق الصارم للقانون تجاه الموردين، واتباع سياسة تجانس في الأسعار.

 

ونصح التقرير بـ"الاستعانة بخبرة وتجربة الدول المجاورة"، وكذا العمل على "تكوين الصيادلة والفنيين تكوينا علميا يواكب التحديات".

 

وأوصى التقرير بضرورة التشاور مع كل الجهات المعنية من وزارة الصحة، وإدارة الصيدليات والمخابر، وجمعية الصيادلة، وجمعية الموزعين الكبار في موريتانيا وجمعية المرشدين الصحيين.

 

تكوين كمي وكيفي

التقرير توقف مع خلاصات مؤتمر عقد حول الموضوع بمشاركة العديد من الخبراء من الشمال والجنوب، وأجمعوا على ضرورة "إيجاد إستراتجية تشاورية في إطار أمني وقضائي واقتصادي وصحي وتكنولوجي".

 

وشددوا على ضرورة التكوين المستمر "على المستويين الكمي والكيفي للعاملين في حقل الأدوية في بلاد الجنوب لأن هذا التكوين يشكل حجر الزاوية لأي نظام فعال"، معتبرين أن هذا التوصية كانت وراء تكوين العديد من اللجان والهيئات المختصة في مجال محاربة الأدوية المزورة في آسيا الجنوبية والشرقية وإفريقيا.

 

عودة لـ"تجارة الموت"

وسبق للأخبار أن نشرت في أكتوبر 2014 تحقيقا من حلقتين عن "تجارة الموت المستفحلة في موريتانيا"، تتبعت فيها مصادر الأدوية المزورة في غرب إفريقيا.

 

وتوقف التحقيق – حينها – مع تحول موريتانيا إلى مصدر لتوزيع الأدوية المزورة في غرب إفريقيا، حيث تصل السوق الموريتانية سنويا عشرات الأطنان لتدخل منها إلى دول غرب إفريقيا.

 

وبدأ نشاط تهريب الأدوية المزورة في موريتانيا منذ اعتمادها ليبرالية سوق الأدوية في العام 1981، وتفاقم بشكل مذهل منذ العام 2004 مع اعتماد قانون جديد يسمح لكل موريتاني بافتتاح صيدلية لبيع الأدوية بشرط حصوله على اعتماد من حامل شهادة في الصيدلة.

 

 وتتبعت الصحيفة أثر عشرات الشبكات التي تنشط في مجال تزوير الأدوية، وتركز جهدها التزويري على الأدوية الأغلى ثمنا والأكثر استخداما، من أدوية ضغط الدم إلى وسائل التخدير مرورا بالمضادات الحيوية بكل أنواعها، ويتم التزوير أحيانا بشكل يجعل التفريق بين المنتج المزور والأصلي مستحيلا دون اللجوء إلى المختبرات.

 

وتنشط هذه الشبكات بين عدة دول إفريقية، عبر طرق تهريب تربط موريتانيا بغينيا كوناكري وغينيا بيساو، كما بدأت بعض هذه الشبكات في استخدام الطرق التقليدية لتهريب المخدرات، والتي تمر عبر الصحراء الكبرى، وقد ضبطت إحدى شحناتها من طرف السلطات الجزائرية في الفصل الأخير من 2014.

 

وتوفر هذه الشبكات عشرات الأطنان سنويا، وتعتمد عليها بعض الصيدليات التابعة لشركات توزيع رسمية، في توفير بعض الأدوية.

 

وتشكل أسواق غينيا كوناكري أكبر ملتقيات المنطقة، حيث يتجمع فيها سماسرة الأدوية المزورة في الصين، والهند، ونيجيريا، وغانا، وساحل العاج.